فن ومشاهير

إبداع ومتعة مثير للجدل.. صاحب مدرسة سينما الحالة يوسف شاهين

لانة صاحب مدرسة مثيرة للجدل في الإخراج، وأفلامه شديدة البساطة والتعقيد ولا تعتمد على المتعة البصرية والإبداعية فقط، فتعمل على إنارة العقول وكذلك وخلق مساحة للتفكير، “يوسف شاهين” ها هي تحلّ ذكرى ميلاده الـ95 في الـ25 من يناير/كانون الثاني الذي استطاع بأعماله أن يفتح أبواب العالمية للسينما المصرية، وأن يصنع تاريخا سينمائيا مميزاً.

ثقافات متنوعة
التنوع الديني والاجتماعي والثقافي والمجتمعي في مدينة الإسكندرية بجمهورية مصر العربية التي ولد وترعرع بها يوسف جبرائيل شاهين عام 1926 كان له تأثير كبير في تكوينه الفكري وفي أفلامه أيضا، فقد ولد شاهين لأب من أصول لبنانية وأم من أصول يونانية هاجرت إلى مصر في القرن الـ19. هذا المزيج جعل أسرته تتحدث 4 لغات، وحرصت العائلة على أن يتلقى ابنهم تعليما جيدا، فبعد أن انتهى من دراسته الثانوية سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية لدراسة الفن، ولدى عودته مجددا إلى مصر قرر الاتجاه إلى الإخراج بمساعدة المصور ألفيزي أورفانيلي، وكانت البداية في دور مساعد مخرج في فيلم “امرأة من نار” من بطولة كاميليا ورشدي أباظة.

الفنتازيا والتقدمية
تكوين الصورة والشريط الصوتي وسينما الحالة كان الشغل الشاغل ليوسف شاهين، فلا يخلو عمل للمخرج المصري الذي وصل إلى العالمية من تلك الساحرية، فنجد الشخصيات في أفلامه وسط تميز اتسم به كل من الديكور والملابس والسيناريو، وهو ما يبدو واضحًا منذ أول أفلامه “بابا أمين” الذي قدمه بعد عودته من الولايات المتحدة الأميركية وكان عمره 23 عاما، ورغم حداثة سنه آنذاك فإنه حصل على 300 جنيه أجرا على الفيلم الذي عرض عام 1950.

كان الفيلم غريبًا على السينما المصرية وطرح أفكارا تقدمية تتمثل في قضية الوجود الإنساني وهل يمكن للإنسان أن يصلح حياته؟ فصوّر حياة أب بعد وفاته معتمدا على الفنتازيا التي كانت جديدة حينئذ على السينما المصرية.

بلورة أسلوبه الخاص
فيلم “ابن النيل” ثاني أفلامه الذي قدمه 1951، والذي يحتل المركز الـ82 في قائمة أفضل 100 فيلم في ذاكرة السينما المصرية، ورغم أن قصة الفيلم نفسها تبدو عادية جدا، فإن اعتماد يوسف شاهين على حركة الكاميرا الانسيابية في كثير من مشاهد الفيلم، وطريقة التعبير بالصورة والصوت كانت بداية بلورة وتكوين أسلوب شاهين الخاص. أما في “سيدة القطار” فيظهر جليا من المشهد الافتتاحي للفيلم تفوق شاهين في إدارة مشروعه، وتحريك المجاميع الغفيرة، وهو تمهيد لخيال شاهين لاحقا في تقديم فيلمه “الناصر صلاح الدين”.

مزج التاريخ بالحاضر
في فيلم “الناصر صلاح الدين” بدا واضحا أن يوسف شاهين يعمل على تقديم ملحمة تاريخية، هي الرغبة التي كانت تشغله وقتئذ لكنها كانت ترنو بعين إلى الحاضر، فلم يكن يعيد تقديم أحداث تاريخية قديمة فقط بل كانت بمنزلة رؤية للحاضر، وقصص رمزية للواقع الذي نعيشه، واعتمد في الفيلم الأبرز في تاريخه على تقنيات سينمائية متطورة، وهو ما تحقق أيضا في فيلمه “جميلة” من بطولة وإنتاج ماجدة، الذي يتناول حياة المناضلة الجزائرية “جميلة بوحيرد” التي أسهمت في مقاومة الاحتلال الفرنسي للجزائر بعد مقتل زميلتها.

وفي فيلم “الناس والنيل” حاول أن يعكس رؤيته للصورة غير المتجانسة للمجتمع المصري الذي كان مختلفا في الثقافات والديانات، وأظهر شاهين عن طريق الفيلم التنوع والوحدة في الوقت نفسه.

وعاد شاهين إلى اهتمامه بقضايا الفلاحين قبل ثورة يوليو/تموز 1952، في فيلم “الأرض” مقدما شخصيات مختلفة كل منها موظفة لتقديم طبقة اجتماعية وثقافية تعبّر عنها.

الذاتية في أفلامه
منح شاهين حياته للفن، واخترق “تابو” (محظورات) الحكي عن الذات سينمائيا بفضل سيرته وأحلامه وتجاربه، فاستطاع أن يوثق سيرته في رباعية “إسكندرية ليه”، و”حدوتة مصرية”، و”إسكندرية كمان وكمان”، و”إسكندرية نيويورك”.

ففي “إسكندرية ليه” الذي عرض 1978 لا يوثق فقط أحلام البطل “يحيى” بأن يسافر لدراسة الفن في الولايات المتحدة الأميركية، مستخدما مقاطع صوّرها شاهين بالفعل وهو في تلك المرحلة العمرية، بل عبّر به عن جيل الأربعينيات أثناء الحرب العالمية الثانية ورؤيتهم للوضع السياسي والاجتماعي أيضا، ودمج الوحدة الوطنية التي ظهرت واضحة في قلق اليهود الموجودين في مدينة الإسكندرية من احتمال دخول الألمان.

وعام 1982 استكمل مسيرته مع فيلم “حدوته مصرية” الذي استخدم واقعة حقيقية نقطة انطلاق له، حين سقط أثناء تصوير نهاية فيلمه “العصفور” وأجرى جراحة قلب مفتوح، وفي الفيلم نشاهد محاكمة البطل “يحيى” أو شاهين وعائلته المحيطة به وهو تحت تأثير المخدر أثناء الجراحة، في حين يحاول يحيى أن يعالج نفسه بالفن.

قرر شاهين أن يؤدي شخصية “يحيى” وهي الشخصية التي تعبّر عنه في فيلم “إسكندرية كمان وكمان” الذي قدمه 1990، ويبدأ من واقعة انفصال ممثله المفضل محسن محيي الدين عنه وعلاقته بممثليه، ويكشف عن طريقته الدكتاتورية في أفلامه.

وأخيرا اختار في “إسكندرية نيويورك” 2004 أن يحكي عن رحلة دراسته في أميركا بسرد وقائع حدثت له بالفعل هناك، مثل عشقه للرقص وبراعته فيه، والفتاة التي وقع في حبها في تلك المرحلة.

الغائب الحاضر
تحققت رغبة شاهين الشديدة في ظهور أفلامه بأفضل صورة وصوت تقنيا أخيرا، ورغم رحيله في الـ27 من يوليو/تموز 2008، لكنه ظلّ حاضرا بأفلامه التي تنوب عنه حتى بعد غيابه، فقد تم الاحتفاء بذكرى رحيله العاشرة بترميم أفلامه عن طريق التكنولوجيا الرقمية، وحظيت الأفلام بحضور كبير حين عرضت وقتئذ في سينما زاوية احتفاء بذكراه.

ومع أن شاهين لم يحظ بأبناء يحملون اسمه، لكنه استطاع أن يسهم في إثراء السينما بكثير من الفنانين بينهم عمر الشريف ومحسن محيي الدين ويسرا ونور الشريف وخالد النبوي وهاني سلامة، كما منح فرصة التمثيل لمحمد منير وماجدة الرومي.

رابط مختصر:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى