كشف فارس أكرم الصحفي الذي يعمل لصالح وكالة ”الأسوشيتدبرس“ الأمريكية في قطاع غزة تفاصيل اللحظات الأخيرة قبل الغارة الإسرائيلية التي دمّرت ”برج الجلاء“ في غزة، والذي يضم العديد من المكاتب الإعلامية التابعة لوكالات وقنوات فضائية، من بينها وكالة ”الأسوشيتدبرس“ الأمريكية والجزيرة.

يقول فارس أكرم : ”كان زملائي يصرخون وهم يحاولون إيقاظي من النوم، دقّات قلبي تصاعدت بقوة، بينما كان عقلي يطرح التساؤلات سريعا: ماذا يحدث؟، هل أصيب أحد في شوارع غزة أو وقع ما هو أسوأ“.

ويضيف الصحفي: ”كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية إلا خمس دقائق ظهرًا، كنت نائما في الدور الثاني من مكتب الأسوشيتدبرس المكون من دورين في ”برج الجلاء“، حيث أعمل لصالح الوكالة في مدينة غزة منذ عام 2006. لم يكن الأمر غريبا خلال الأيام القليلة الماضية، إذ اعتدت النوم في مكتب الوكالة حتى العصر، ثم أمارس مهام عملي مساءً“.

2021-05-125589Image1-1180x677_d

ويتابع ”أسرعت إلى الدور السفلي، حيث وجدت زملائي وهم يسارعون لارتداء الخوذ والسترات الواقية، كانوا يصرخون ”إخلاء.. إخلاء.. إخلاء.. كما علمت في وقت لاحق، فإن جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي استهدف المبنى ودمّره، قدّم تحذيرا مسبقا قبل وقت قصير من قصفه من خلا اتصال او صاروخ صغير. إذ دمّر 3 بنايات خلا هذا الأسبوع، وكان يحذّر السكان والمقيمين، في بعض الأحيان قبل دقائق قليلة على بدء القصف. أبلغوني قبل بدء العملية الإسرائيلية أن أمامي 10 دقائق فقط“.

وأردف قائلا: ”ما الذي أحتاجه على عجل؟، قمت بحمل جهاز اللاب توب الخاص بي وبعض الأجهزة الإلكترونية الأخرى. نظرت إلى المكان الذي قضيت فيه سنوات طويلة، ويحمل ذكريات لي مع زملائي وعائلتي وأصدقائي، قمت بحمل لوحة زخرفية تحمل صورة عائلتي، وكوب القهوة الذي أهدته لي ابنتي، التي تعيش -حاليا- في كندا مع شقيقتها وزوجتي منذ عام 2017، بالإضافة إلى شهادة على مرور 5 سنوات من العمل مع ”الأسوشيتدبرس“.

2021-05-609fe4b84236046ede206649

ويصف اللحظات الأخيرة له بمكتبة بالقول: ”بدأت في الرحيل، ونظرت إلى المكان، وأدركت أنها المرة الأخيرة التي أنظر فيها إليه، كانت الساعة الثانية ظهرًا، وكنت آخر من يغادر المكتب. ارتديت الخوذة وركضت سريعا. أنا الآن في منزلي، وأودّ أن أقول إنني آمن في غزة، ولكنني لا أستطيع، فلا يوجد مكان في غزة آمن الآن. يوم الجمعة الماضي دمّرت غارة إسرائيلية مزرعة أسرتي شمال قطاع غزة، والآن تم تدمير مكتبي في مدينة غزة، المكان الذي كنت أعتقد أنه لا يمكن المساس به، لأنه يضم مكاتب الأسوشيتدبرس وقناة الجزيرة وغيرها من الوكالات الاخبارية، إلا أنه أصبح الآن عبارة عن حطام وغبار“.

ويروي تفاصيل أخرى عن خروجه من برج الجلاء، قبل استهدافه وهدمه في غارة إسرائيلية،  قائلا إنه ركض على سلم البناية البالغ ارتفاعه 11 دورًا، حيث كان مكتب ”الأسوشيتدبرس“ الذي يعمل بها في الطابق الأخير، ثم هبط إلى موقف السيارات الواقع أسفل المبنى، واكتشف أن سيارته هي الوحيدة الباقية، وقام بإلقاء ما لديه في السيارة وخرج بها مسرعا.

ويضيف ”عندما شعرت أنني على مسافة بعيدة نسبيا، ركنت سيارتي وخرجت منها، ووجدت إلى جانبي زملائي، وكنا ننظر وننتظر ماذا سيحدث، وفي مكان قريب كان مالك المبنى على اتصال بضابط في الجيش الإسرائيلي، وكان يتوسل إليه أن يمنحه المزيد من الوقت، إلا أن الطرف الآخر رفض، وأبلغه أن عليه العودة إلى المبنى للتأكد من عدم وجود أحد بداخله، وأن لديه 10 دقائق فقط، ومن الأفضل له أن يسرع“.

وقبل الغارة الإسرائيلية بلحظات قليلة جدا يقول فارس أكرم: ”كنت أنظر إلى المبنى، وأدعو بأنه ربما، ربما لا يتعرض للقصف، كنت أفكّر في العائلات المقيمة به، وكيف سيكون وضعهم بعد انهياره؟، وإلى أين سيذهبون؟، في حين كان زملائي الصحفيون يستعدون بكاميراتهم لرصد لحظة قصف المبنى، ونقلها على الهواء مباشرة. وفي تتابع سريع، وعلى مدار اقل من 10 دقائق، وقعت غارة بطائرة مسيرة صغيرة، تبعتها غارة أخرى، وأخرى، قبل 3 غارات قوية عبر طائرات ”إف 16″ انهار المبنى كاملاً وأصبح كومة من الغبار“.

ma

ويختتم مراسل الوكالة الأمريكية تقريره بالقول“ذهب المبنى ولن يعود، وهناك بالفعل أمور أخرى تحدث يتعين عليّ تغطيتها، يجب أن ندرك نحن الصحفيين أننا لسنا الرواية، الأولوية بالنسبة لنا ليست نحن، ولكن أن ننقل الواقع للآخرين الذين يعيشون في المجتمعات التي نقوم بتغطيتها“.