زايد الوجود الإماراتي في القرن الأفريقي خلال الأعوام القليلة الماضية، وذلك من خلال النشاط الدبلوماسي والاستثمارات الاقتصادية والمشاركة العسكرية. والآن، يشكل الصراع بين إثيوبيا والسودان ومصر بشأن سد النهضة تحديا للاستقرار الإقليمي.

ومع استمرار تعثر المحادثات في جمهورية الكونجو الديمقراطية خلال الأشهر الماضية، أكملت أديس أبابا في يوليو/تموز عملية ملء خزان السد للعام الثاني. وسعت كل من القاهرة والخرطوم إلى إدخال وسيط لحل النزاع، خشية أن تتعرض إمداداتهما المائية للخطر، بينما عارضت إثيوبيا بشدة مشاركة أطراف مثل مجلس الأمن الدولي وجامعة الدول العربية، فيما تعتبره شأنا إقليميا.

وتطالب إثيوبيا بحل القضية حصريا تحت رعاية الاتحاد الأفريقي. ونظرا للمستوى العالي من انخراط دول الخليج في المنطقة، فإن من مصلحتها (لا سيما الإمارات) ألا تتسع الأزمة لتتخذ أبعاد أكثر خطورة، بما في ذلك التصعيد العسكري.

ومن أجل ضمان عدم حدوث ذلك، ربما تستفيد الإمارات من علاقاتها مع كافة الأطراف تسهيل المحادثات بين الدول المتنازعة.

إنجاز السد الكبير

وكما يوحي اسم السد، “سد النهضة الكبير”، فقد تم تقديمه منذ عام 2011 من قبل حكومة “آبي أحمد” كوسيلة حاسمة لإنهاء الفقر في البلاد، وقد شارك الإثيوبيون في تمويله بأنفسهم، وبالتالي فهو موضوع ذو أهمية وطنية.

وراهن رئيس الوزراء الإثيوبي على قدر كبير من مصداقيته في افتتاح السد. وبالنظر إلى الانتخابات البرلمانية الأخيرة والصراع العرقي في “تيجراي”، لم يكن من الممكن تصور تقديم تنازلات كبيرة من قبل “آبي أحمد” بشأن سد النهضة. كما يعتبر استكمال السد خيارا فعالا ضد النزعة الانفصالية العرقية في إثيوبيا. من خلال توحيد المجموعات العرقية الرئيسية وراء إنجاز قومي كبير.

ويبدو أن نهج إثيوبيا المتطرف قد آتى أكله. وفي حين أن العديد من الفصائل دعمت في الأصل الوساطة من خلال الولايات المتحدة أو الهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة، إلا أنها عدلت مواقفها منذ ذلك الحين.

وتعد الأزمة الإنسانية من بين النقاط المدرجة في النهج الشامل الذي يفضله وسطاء مثل الولايات المتحدة والأمم المتحدة وأوروبا عند التدخل في محادثات سد النهضة، الأمر الذي جعل “آبي أحمد” لا يفضل وساطة هذه الجهات. نتيجة لذلك، دعمت هذه الجهات مؤخرا وساطة الاتحاد الأفريقي، ومالت لشروط رئيس الوزراء الإثيوبي.

وواجهت جهود مجلس التعاون الخليجي في عملية الوساطة نهاية مماثلة. وعقدت جامعة الدول العربية، التي تضم جميع دول الخليج، محادثات في الدوحة في 15 يونيو/حزيران، دعت فيها إلى تدخل الأمم المتحدة في نزاع السد. ولكن مجلس الأمن أصر على دعم وساطة الاتحاد الأفريقي. ومع ذلك، أثبتت الإمارات أنها فاعل يستطيع الاستفادة من العلاقات التاريخية الجيدة مع الدول الثلاث.

الموقف الدبلوماسي الفريد لدولة الإمارات

ولطالما اتخذت حكومة “آبي أحمد” موقفا أحاديا في العلاقات الخارجية، سواء فيما يتعلق بقضايا إثيوبيا طويلة الأمد أو فيما يتعلق بسد النهضة والمفاوضات مع السودان ومصر. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك حل النزاع الإثيوبي-الإريتري؛ حيث لعبت الإمارات دورا مهما خلال مرحلة الوساطة، ما أدى إلى اتفاق سلام ناجح أنهى الصراع الذي دام 20 عاما.

ويعزز هذا المثال للوساطة الناجحة مكانة الإمارات في جهودها الدبلوماسية الحالية في أزمة السد.

ومن ناحية أخرى، واجهت الإمارات تحديات في الآونة الأخيرة. وكانت أبوظبي نشطة في محاولة إجراء مزيد من المفاوضات بين إثيوبيا والسودان بشأن الخلاف الحدودي بين البلدين، الذي بدأ في ديسمبر/كانون الأول 2020. وبالرغم من دعم السودان لجهود الإمارات، إلا أن الوساطة انتهت بانسحاب الإمارات من المحادثات نهاية مايو/أيار إثر رفض الأطراف المتنازعة عدة مبادرات سلام اقترحتها الإمارات.

ومن الواضح أن التوترات حول قضية الحدود مرتبطة بسد النهضة. وكما هو الحال في صراع السد، فإن التوترات تتفاقم بسبب الديناميكيات المحلية في إثيوبيا. وكانت “أمهرة”، وهي واحدة من أكبر الجماعات العرقية في إثيوبيا، تسكن وتزرع منطقة “الفشقة” المتنازع عليها، وجاء انسحاب الإمارات قبل شهر من الانتخابات البرلمانية في إثيوبيا التي كررت مطلبها بوساطة الاتحاد الأفريقي فقط في الصراع الحدودي.

ويفرض هذا المطلب ضغوطا على مشاركة أبوظبي في وساطة حول سد النهضة، حيث إنها ليست عضوا في الاتحاد الأفريقي. وفي هذا الصدد، نأت الإمارات بنفسها عن موقف جامعة الدول العربية الذي انتقدته إثيوبيا لانحيازه لمصر والسودان (دولتان عربيتان) على حساب إثيوبيا (دولة غير عربية).

وأيد الأمين العام للجامعة “أحمد أبوالغيط” موقفي مصر والسودان، وكذلك فعلت السعودية وأعضاء آخرون. لكن الإمارات خرجت عن موقف الدول العربية الأخرى واحتفظت بموقف الحياد. وبالرغم أن هذا القرار قد يثير انزعاج القاهرة والخرطوم، فإن عدم وجود رأي إماراتي واضح بشأن النزاع يمثل وسيلة لتحسين العلاقات مع حكومة “آبي”.

وأصبح الموقف الدبلوماسي المحايد لأبوظبي فيما يتعلق بنزاع سد النهضة ممكنا بفضل العلاقات القوية التي تتمتع بها البلاد بالفعل مع مصر والسودان.